فخر الدين الرازي

242

تفسير الرازي

والمقمعة والمطرقة والإبرة ، والمقمعة ما يحدد به ، ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والنار والماء والملح " . والقول الثاني : أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة ، كقوله تعالى : * ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) * ( لزمر : 6 ) قال قطرب : * ( أنزلناها ) * ( النور : 1 ) أي هيأناها من النزل ، يقال : أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً ، ومنهم من قال هذا من جنس قوله : علفتها تبناً وماء بارداً ، وأكلت خبزاً ولبناً . المسألة الثالثة : ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط ، والقسط والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك ، والعادل مقسط قال الله تعالى : * ( إن الله يحب المقسطين ) * ( الحجرات : 9 ) والقاسط الجائر قال تعالى : * ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ) * ( الجن : 15 ) وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه ، وفيه أيضاً منافع كثيرة منها قوله تعالى : * ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) * ( الأنبياء : 8 ) ومنها أن مصالح العالم ، إما أصول ، وإما فروع ، أما الأصول فأربعة : الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة ، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه ، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص ، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل ، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة ، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض ، وذلك هو السلطان ، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة ، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد ، وذلك في كرب الأراضي وحفرها ، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من خبزها وتنقيتها ، وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ، ولا بد من المقدحة الحديدية ، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها ، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد ، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد ، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد ، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد ، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ، ويظهر أيضاً أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا ، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا ، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله سهل الوجدان ، كثير الوجود ، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود ، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده ، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر ، جعل وجدانه أسهل ، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء ، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال ، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجداناً ، وهيأ أسباب التنفس وآلاته ، حتى إن الإنسان يتنفس دائماً بمقتضى طبعه من غير